مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ.
رواه عبد الله بن مسعود

أبو حفص
الفاروق
نَشَأَ فِي بُطُونِ مَكَّةَ فَتًى مَهِيبَ الْجَانِبِ، شَدِيدَ الْبَأْسِ، رَفِيعَ الْمَنْزِلَةِ؛ فَكَانَ سَفِيرَ قُرَيْشٍ إِذَا نَابَتْ نَائِبَةٌ، وَصَاحِبَ كَلِمَتِهَا إِذَا اجْتَمَعَتْ لِمُعْضِلَةٍ. وَلَمَّا بَزَغَ فَجْرُ الإِسْلَامِ، كَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَدَاوَةً لَهُ، غَيْرَةً عَلَى دِينِ آبَائِهِ وَذَوْدًا عَنْ سُلْطَانِ قَوْمِهِ.
فِي غَيَاهِبِ الْجَاهِلِيَّةِ الْجَهْلَاءِ، وَبَيْنَ شِعَابِ مَكَّةَ الَّتِي تَضِجُّ بِأَصْنَامِهَا وَتَعِجُّ بِأَسْوَاقِهَا، بَزَغَ نَجْمُ فَتًى مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، لَمْ يَكُنْ كَسَائِرِ الْفِتْيَانِ؛ فَتًى اجْتَمَعَتْ فِيهِ صَرَامَةُ الصَّحْرَاءِ وَفَصَاحَةُ الْبَيَانِ. ذَلِكَ هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلٍ الْعَدَوِيُّ الْقُرَشِيُّ، الَّذِي قُدِّرَ لَهُ أَنْ يَكُونَ اسْمُهُ مِلْءَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وَأَنْ تَدِينَ لِسِيرَتِهِ الْعُصُورُ.
نَشَأَ عُمَرُ فِي بَيْتٍ لَا يَعْرِفُ اللِّينَ، وَتَحْتَ سَوْطِ أَبٍ غَلِيظِ الْقَلْبِ، شَدِيدِ الْعَرِيكَةِ، هُوَ الْخَطَّابُ بْنُ نُفَيْلٍ. فَمَا زَالَ يَسُوقُهُ صَغِيرًا لِرِعَايَةِ إِبِلِهِ فِي قِفَارِ مَكَّةَ وَبَوَادِيهَا، فَإِنْ قَصَّرَ أَوْ وَنَى، عَلَاهُ بِدِرَّتِهِ. فَنَبَتَ الْفَتَى صُلْبَ الْعُودِ، قَوِيَّ الشَّكِيمَةِ، مَهِيبَ الطَّلْعَةِ، بَسْطَةً فِي الْجِسْمِ، جَهْوَرِيَّ الصَّوْتِ، حَتَّى قِيلَ فِيهِ: كَانَ إِذَا مَشَى أَسْرَعَ، وَإِذَا تَكَلَّمَ أَسْمَعَ، وَإِذَا ضَرَبَ أَوْجَعَ. وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الشِّدَّةُ لِتَحْجُبَ عَنْهُ فِطْنَةً وَقَّادَةً، وَعَقْلًا رَاجِحًا، وَبَصِيرَةً نَافِذَةً.
وَلَمَّا اشْتَدَّ سَاعِدُهُ وَبَلَغَ أَشُدَّهُ، لَمْ يَكُنْ رَجُلًا مَغْمُورًا فِي قَوْمِهِ، بَلْ عَلَا كَعْبُهُ وَسَمَا ذِكْرُهُ. فَقَدْ أُوتِيَ مِنَ الْبَيَانِ حَظًّا وَافِرًا، وَمِنَ الْحِكْمَةِ نَصِيبًا كَابِرًا، حَتَّى اسْتَوَى عَلَى مَنْصِبٍ رَفِيعٍ لَا يَنَالُهُ إِلَّا أَكَابِرُ قُرَيْشٍ وَصَنَادِيدُهَا؛ أَلَا وَهُوَ مَنْصِبُ "السِّفَارَةِ". فَكَانَ سَفِيرَ قُرَيْشٍ إِذَا نَابَتْهُمْ نَائِبَةٌ، أَوْ نَشَبَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْقَبَائِلِ حَرْبٌ، أَوْ أَرَادُوا مُفَاخَرَةً أَوْ مُنَافَرَةً. يَبْعَثُونَهُ فَيَقُومُ بِحُجَّتِهِمْ، وَيُفَاخِرُ بِأَيَّامِهِمْ، وَيَرُدُّ عَلَى خُصُومِهِمْ، فَلَا يَعُودُ إِلَّا مَنْصُورَ الْحُجَّةِ، مَرْفُوعَ الرَّأْسِ، قَدْ أَرْضَى سَادَةَ قُرَيْشٍ وَأَقَرَّ أَعْيُنَهُمْ.وَلَمَّا بَزَغَ فَجْرُ النُّبُوَّةِ مِنْ غَارِ حِرَاءَ، وَتَنَزَّلَ الْوَحْيُ عَلَى قَلْبِ سَيِّدِ وَلَدِ عَدْنَانَ ﷺ، كَانَ عُمَرُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ وَأَقْسَاهُمْ عَلَى هَذَا الدِّينِ الْجَدِيدِ وَعَلَى مَنِ اعْتَنَقَهُ. لَمْ تَكُنْ عَدَاوَتُهُ عَدَاوَةَ جَهْلٍ أَوْ طَيْشٍ، بَلْ كَانَتْ غَيْرَةً عَلَى دِينِ آبَائِهِ، وَحَمِيَّةً لِوَحْدَةِ قَوْمِهِ، وَذَوْدًا عَنْ سُؤْدَدِ قُرَيْشٍ الَّذِي رَأَى فِي هَذِهِ الدَّعْوَةِ تَقْوِيضًا لِبُنْيَانِهِ. فَأَزْمَعَ عَلَى أَنْ يَكُونَ سَيْفًا مَسْلُولًا عَلَى الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَآذَاهُمْ وَنَكَّلَ بِهِمْ، وَصَبَّ عَلَيْهِمْ سِيَاطَ عَذَابِهِ، وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهُ يُحْسِنُ صُنْعًا، غَافِلًا عَمَّا خَبَّأَهُ لَهُ الْقَدَرُ مِنْ شَأْنٍ عَظِيمٍ، وَفَتْحٍ مُبِينٍ.
وَهَكَذَا، ظَلَّ فَتَى قُرَيْشٍ الْقَوِيُّ، وَسَفِيرُهَا الْبَلِيغُ، غَارِقًا فِي غَيَاهِبِ الْوَثَنِيَّةِ، يُصَارِعُ بِكُلِّ مَا أُوتِيَ مِنْ بَأْسٍ وَبَيَانٍ ذَلِكَ النُّورَ الْوَلِيدَ الَّذِي أَخَذَ يَتَسَرَّبُ خُفْيَةً إِلَى قُلُوبِ خِيرَةِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَلَمْ يَدُرْ بِخَلَدِهِ أَنَّ الأَيَّامَ حُبْلَى بِحَدَثٍ جَلَلٍ سَيَقْلِبُ مَوَازِينَ الْقُوَى، وَيَجْعَلُ مِنْهُ فَارُوقَ الأُمَّةِ الَّذِي يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ.
لَمَّا أَرَادَ اللهُ بِالأُمَّةِ خَيْرًا، شَرَحَ صَدْرَهُ لِلْهُدَى بَعْدَ إِعْرَاضٍ، فَانْقَشَعَتْ ظُلْمَةُ الشِّرْكِ عَنْ قَلْبِهِ إِذْ سَمِعَ آيَاتِ الْقُرْآنِ. فَكَانَ إِسْلَامُهُ فَتْحًا، وَهِجْرَتُهُ نَصْرًا، وَإِمَارَتُهُ رَحْمَةً؛ وَبِهِ جَهَرَ الْمُسْلِمُونَ بِدَعْوَتِهِمْ بَعْدَ اسْتِخْفَاءٍ.
وَلَكِنَّ أَقْدَارَ السَّمَاءِ كَانَتْ تَحُوكُ لَهُ ثَوْبًا غَيْرَ الَّذِي ارْتَدَاهُ، وَتَسُوقُهُ إِلَى مَجْدٍ لَمْ يَخْطُرْ لَهُ عَلَى بَالٍ. فَبَيْنَمَا كَانَتْ مَكَّةُ تَمُوجُ بِالْعَدَاوَةِ لِدَعْوَةِ الْحَقِّ، كَانَ قَلْبُ النَّبِيِّ الأَوَّاهِ ﷺ يَلْهَجُ بِالدُّعَاءِ، وَيَتَضَرَّعُ إِلَى بَارِئِهِ فِي غَسَقِ الدُّجَى أَنْ يُعِزَّ هَذَا الدِّينَ بِأَحَدِ الْعُمَرَيْنِ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ قَوْلُهُ: «اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ: بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ». فَكَانَ أَحَبَّهُمَا إِلَيْهِ عُمَرُ، وَسَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللهِ الْحُسْنَى.
وَفِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، وَقَدْ بَلَغَ الْغَيْظُ مِنْ عُمَرَ مَبْلَغَهُ، وَاسْتَشَاطَ صَدْرُهُ حَنَقًا عَلَى تَصَدُّعِ أَمْرِ قُرَيْشٍ، أَزْمَعَ عَلَى أَمْرٍ كُبَارٍ؛ أَنْ يَقْتُلَ الرَّجُلَ الَّذِي يَرَاهُ أَصْلَ هَذِهِ الْفِتْنَةِ، مُحَمَّدًا ﷺ. فَخَرَجَ مِنْ دَارِهِ فِي وَهَجِ الظَّهِيرَةِ، مُتَوَشِّحًا سَيْفَهُ، يَتَقَصَّدُ دَارَ الأَرْقَمِ بْنِ أَبِي الأَرْقَمِ حَيْثُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مُسْتَخْفِينَ. فَمَا كَادَ يَمْضِي فِي طَرِيقِهِ حَتَّى لَقِيَهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ النَّحَّامُ، وَكَانَ مِمَّنْ كَتَمَ إِسْلَامَهُ، فَلَمَّا رَأَى الشَّرَّ يَتَطَايَرُ مِنْ عَيْنَيْ عُمَرَ، سَأَلَهُ: «أَيْنَ تُرِيدُ يَا عُمَرُ؟». فَأَجَابَهُ بِصَوْتٍ كَالرَّعْدِ: «أُرِيدُ هَذَا الصَّابِئَ الَّذِي فَرَّقَ أَمْرَ قُرَيْشٍ، وَسَفَّهَ أَحْلَامَهَا، وَعَابَ دِينَهَا، فَأَقْتُلَهُ». فَقَالَ لَهُ نُعَيْمٌ مُحَاوِلًا أَنْ يَصْرِفَهُ: «وَاللهِ لَقَدْ غَرَّتْكَ نَفْسُكَ يَا عُمَرُ! أَتَرَى بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ تَارِكِيكَ تَمْشِي عَلَى الأَرْضِ وَقَدْ قَتَلْتَ مُحَمَّدًا؟ أَفَلَا تَرْجِعُ إِلَى أَهْلِ بَيْتِكَ فَتُقِيمَ أَمْرَهُمْ؟». فَقَالَ عُمَرُ: «وَأَيُّ أَهْلِ بَيْتِي؟». قَالَ: «خَتَنُكَ وَابْنُ عَمِّكَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، وَأُخْتُكَ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطَّابِ، فَقَدْ وَاللهِ أَسْلَمَا وَتَابَعَا مُحَمَّدًا عَلَى دِينِهِ، فَعَلَيْكَ بِهِمَا».
فَتَحَوَّلَتْ وِجْهَةُ عُمَرَ، وَانْعَطَفَ سَيْلُ غَضَبِهِ الْجَارِفِ إِلَى دَارِ أُخْتِهِ، وَقَدْ أَعْمَاهُ الْحَنَقُ. فَلَمَّا دَنَا مِنَ الدَّارِ سَمِعَ هَيْنَمَةً وَتَرَنُّمًا بِكَلَامٍ لَمْ يَعْهَدْهُ، وَكَانَ عِنْدَهُمَا خَبَّابُ بْنُ الأَرَتِّ يُقْرِئُهُمَا الْقُرْآنَ مِنْ صَحِيفَةٍ مَعَهُ فِيهَا سُورَةُ (طه). فَلَمَّا سَمِعُوا حِسَّ عُمَرَ، تَوَارَى خَبَّابٌ فِي مَخْدَعٍ لَهُمْ، وَأَخْفَتْ فَاطِمَةُ الصَّحِيفَةَ. وَمَا إِنْ دَخَلَ حَتَّى صَاحَ: «مَا هَذِهِ الْهَيْنَمَةُ الَّتِي سَمِعْتُ؟». قَالَا: «مَا سَمِعْتَ شَيْئًا». قَالَ: «بَلَى وَاللهِ، لَقَدْ أُخْبِرْتُ أَنَّكُمَا تَابَعْتُمَا مُحَمَّدًا عَلَى دِينِهِ». ثُمَّ بَطَشَ بِخَتَنِهِ سَعِيدٍ، فَقَامَتْ أُخْتُهُ لِتَدْفَعَهُ عَنْ زَوْجِهَا، فَلَطَمَهَا لَطْمَةً شَجَّتْ وَجْهَهَا، فَسَالَ الدَّمُ.فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ الدَّمَ يَسِيلُ مِنْ وَجْهِ أُخْتِهِ، وَقَدْ قَالَتْ لَهُ بِقُوَّةِ إِيمَانٍ وَصَلَابَةِ يَقِينٍ: «نَعَمْ قَدْ أَسْلَمْنَا وَآمَنَّا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ»، نَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ، وَرَقَّ قَلْبُهُ، وَاسْتَحْيَا. فَقَالَ بَعْدَ أَنْ سَكَنَ غَضَبُهُ: «أَعْطُونِي هَذِهِ الصَّحِيفَةَ الَّتِي عِنْدَكُمْ فَأَقْرَأَهَا». فَقَالَتْ أُخْتُهُ: «إِنَّكَ رِجْسٌ، وَإِنَّهُ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، فَقُمْ فَاغْتَسِلْ». فَقَامَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ أَخَذَ الْكِتَابَ، فَقَرَأَ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فَقَالَ: «أَسْمَاءٌ طَيِّبَةٌ طَاهِرَةٌ». ثُمَّ قَرَأَ: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى...﴾. فَمَا زَالَ يَقْرَأُ حَتَّى وَقَعَتْ آيَاتُ الْهُدَى فِي قَلْبِهِ مَوْقِعًا عَظِيمًا، وَانْقَشَعَتْ غَيَاهِبُ الشِّرْكِ عَنْ بَصِيرَتِهِ، فَقَالَ: «مَا أَحْسَنَ هَذَا الْكَلَامَ وَأَكْرَمَهُ! دُلُّونِي عَلَى مُحَمَّدٍ».
فَلَمَّا سَمِعَ خَبَّابٌ ذَلِكَ، خَرَجَ مِنْ مَخْبَئِهِ وَقَالَ: «أَبْشِرْ يَا عُمَرُ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونَ دَعْوَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَكَ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ قَدْ أُجِيبَتْ». ثُمَّ دَلَّهُ عَلَى دَارِ الأَرْقَمِ. فَانْطَلَقَ عُمَرُ وَقَدْ عَادَ مُتَوَشِّحًا سَيْفَهُ، لَكِنَّ الْقَلْبَ الَّذِي بَيْنَ جَنْبَيْهِ لَمْ يَعُدْ ذَلِكَ الْقَلْبَ. فَلَمَّا قَرَعَ الْبَابَ، قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَنَظَرَ مِنْ خَلَلِ الْبَابِ فَرَآهُ، فَرَجَعَ فَزِعًا وَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مُتَوَشِّحًا السَّيْفَ!». فَقَالَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَسَدُ اللهِ: «فَلْيَأْذَنْ لَهُ، فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ خَيْرًا بَذَلْنَاهُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ شَرًّا قَتَلْنَاهُ بِسَيْفِهِ». فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ائْذَنُوا لَهُ». فَنَهَضَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى لَقِيَهُ فِي الْحُجْرَةِ، فَأَخَذَ بِمَجَامِعِ ثَوْبِهِ وَحَمَائِلِ سَيْفِهِ، ثُمَّ جَبَذَهُ جَبْذَةً شَدِيدَةً وَقَالَ: «أَمَا آنَ لَكَ أَنْ تُسْلِمَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ اللَّهُمَّ اهْدِهِ». فَقَالَ عُمَرُ بِصَوْتٍ خَالَطَتْهُ الْهَيْبَةُ وَغَشِيَهُ الْجَلَالُ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ». فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ نَطَقَ بِهَا، حَتَّى كَبَّرَ أَهْلُ الدَّارِ تَكْبِيرَةً سَمِعَهَا مَنْ بِالْمَسْجِدِ، فَعَلِمُوا أَنَّ اللهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ عُمَرَ لِلإِسْلَامِ.
وَكَانَ إِسْلَامُهُ فَتْحًا وَنَصْرًا وَعِزًّا. فَمَا إِنْ أَسْلَمَ حَتَّى قَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ إِنْ مُتْنَا وَإِنْ حَيِينَا؟». قَالَ: «بَلَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّكُمْ لَعَلَى الْحَقِّ». قَالَ: «فَفِيمَ الاِخْتِفَاءُ؟». فَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ يَجْهَرُونَ بِدَعْوَتِهِمْ، فِي صَفَّيْنِ عَظِيمَيْنِ، يَتَقَدَّمُ أَحَدَهُمَا حَمْزَةُ، وَيَتَقَدَّمُ الآخَرَ عُمَرُ، وَلَهُمْ كَدِيدٌ كَكَدِيدِ الطَّحِينِ، حَتَّى دَخَلُوا الْبَيْتَ الْحَرَامَ فَطَافُوا وَصَلَّوْا، وَمَا اسْتَطَاعَتْ قُرَيْشٌ أَنْ تَصْنَعَ شَيْئًا إِلَّا النَّظَرَ بِأَعْيُنٍ تَغِيظُهَا الْحَسْرَةُ وَيَعْتَصِرُهَا الْكَمَدُ. فَمِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ سُمِّيَ عُمَرُ «الْفَارُوقَ»؛ لأَنَّ اللهَ فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَأَعَزَّ بِهِ دِينَهُ، وَأَظْهَرَ بِهِ أَوْلِيَاءَهُ بَعْدَ طُولِ اسْتِضْعَافٍ وَاسْتِخْفَاءٍ.
بَيْنَمَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَتَسَلَّلُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِوَاذًا، أَمْسَكَ عُمَرُ بِسَيْفِهِ وَأَزْمَعَ الْهِجْرَةَ عَلَانِيَةً، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَأَعْلَنَ فِي نَادِي قُرَيْشٍ: "مَنْ أَرَادَ أَنْ تَثْكَلَهُ أُمُّهُ فَلْيَلْحَقْ بِي وَرَاءَ هَذَا الْوَادِي". فَمَا اجْتَرَأَ أَحَدٌ عَلَى اتِّبَاعِهِ، فَكَانَتْ هِجْرَتُهُ فُرْقَانًا بَيْنَ الْعِزِّ وَالذِّلَّةِ.
وَبَعْدَ أَنْ صَدَعَ الْفَارُوقُ بِالْحَقِّ فِي رُبُوعِ مَكَّةَ، وَأَشْرَقَتْ شَمْسُ الإِسْلَامِ مِنْ خَلْفِ سُجُفِ الْخَوْفِ، ضَاقَتْ بِطَاحُ مَكَّةَ عَلَى أَهْلِ الإِيمَانِ بِمَا رَحُبَتْ، وَعَظُمَ الأَذَى، وَاشْتَدَّ الْبَلَاءُ. فَلَمَّا أَذِنَ اللهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِالْخُرُوجِ إِلَى دَارِ الأَمْنِ وَالإِيمَانِ، يَثْرِبَ، طَفِقَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَتَأَهَّبُونَ لِلرَّحِيلِ، وَيَتَخَفَّفُونَ مِنْ دِيَارِهِمُ الَّتِي أُخْرِجُوا مِنْهَا بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ.
وَكَانَ أَكْثَرُهُمْ يَخْرُجُ مُتَسَلِّلًا مُسْتَخْفِيًا، يَتَرَقَّبُ غَفْلَةَ الرَّقِيبِ فِي غَبَشِ الْفَجْرِ أَوْ جُنْحِ الظَّلَامِ، خَشْيَةَ أَنْ تَفْطِنَ لَهُمْ قُرَيْشٌ فَتَرُدَّهُمْ أَوْ تَفْتِنَهُمْ فِي دِينِهِمْ. بَيْدَ أَنَّ رَجُلًا وَاحِدًا كَانَتْ هِجْرَتُهُ كَمَا كَانَ إِسْلَامُهُ؛ فُرْقَانًا بَيْنَ الْعِزِّ وَالذِّلَّةِ، وَفَصْلًا بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْخَفَاءِ، ذَلِكَ هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ.فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا أَزْمَعَ عَلَى الْهِجْرَةِ، لَمْ يَتَلَثَّمْ بِلَيْلٍ وَلَمْ يَسْتَتِرْ بِجِدَارٍ، بَلْ تَقَلَّدَ سَيْفَهُ، وَاعْتَنَقَ قَوْسَهُ، وَتَنَكَّبَ كِنَانَتَهُ فِيهَا أَسْهُمُهُ، وَأَخَذَ فِي يَدِهِ عَصًا غَلِيظَةً، ثُمَّ مَضَى قِبَلَ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ وَصَنَادِيدُ قُرَيْشٍ وَأَشْرَافُهَا جُلُوسٌ فِي أَفْنِيَتِهَا. فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، رَاسِخَ الْقَدَمِ، مُطْمَئِنَّ الْجَنَانِ، لَا تَرْمُقُهُ الأَبْصَارُ إِلَّا وَهِيَ وَجِلَةٌ. ثُمَّ أَتَى الْمَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي طُمَأْنِينَةٍ وَسَكِينَةٍ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى حِلَقِ الْقَوْمِ وَاحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى، وَقَالَ بِصَوْتٍ جَهْوَرِيٍّ يَهُزُّ أَرْكَانَ الْبَطْحَاءِ: «شَاهَتِ الْوُجُوهُ! مَنْ أَرَادَ أَنْ تَثْكَلَهُ أُمُّهُ، وَيُؤْتَمَ وَلَدُهُ، وَتُرَمَّلَ زَوْجَتُهُ، فَلْيَلْقَنِي وَرَاءَ هَذَا الْوَادِي، فَإِنِّي مُهَاجِرٌ غَدًا إِنْ شَاءَ اللهُ».
فَمَا نَبَسَ أَحَدُهُمْ بِبِنْتِ شَفَةٍ، وَلَا اجْتَرَأَ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ كَلِمَةً، بَلْ غَشِيَهُمُ الصَّغَارُ وَالْوَجَمُ، وَكَأَنَّمَا أُلْقِمُوا حَجَرًا، وَهُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا بِالأَمْسِ أَسَادَ الشِّرَى عَلَى الْمُسْتَضْعَفِينَ. ثُمَّ مَضَى لِوَجْهِهِ شَامِخَ الْعَرِينِ، لَا يَلْوِي عَلَى شَيْءٍ، وَقَدْ تَحَدَّى بِفِعْلِهِ ذَلِكَ كِبْرِيَاءَ قُرَيْشٍ وَجَبَرُوتَهَا فِي عُقْرِ دَارِهَا.
وَلَمْ يَخْرُجْ وَحْدَهُ، بَلْ خَرَجَ مَعَهُ رَهْطٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُسْتَضْعَفِينَ قِيلَ إِنَّهُمْ نَاهَزُوا الْعِشْرِينَ، مِنْهُمْ عَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ، كَانَ قَدْ وَاعَدَهُمْ، فَسَارَ بِهِمْ فِي وَضَحِ النَّهَارِ آمِنِينَ مُطْمَئِنِّينَ فِي حِمَاهُ. فَكَانَتْ هِجْرَتُهُ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فُرْقَانًا آخَرَ بَيْنَ عَهْدَيْنِ: عَهْدِ الاسْتِخْفَاءِ وَالْخَوْفِ، وَعَهْدِ الْجَهْرِ وَالْعِزَّةِ. وَلَقَدْ صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِذْ قَالَ: «مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ». وَكَانَتْ هِجْرَتُهُ هَذِهِ تَأْكِيدًا لِذَلِكَ الْعِزِّ، وَتَرْسِيخًا لِذَلِكَ الْفُرْقَانِ الَّذِي ضَرَبَهُ اللهُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَبَيْنَ الإِيمَانِ وَالْكُفْرَانِ.
فِي رِحَابِ الْمَدِينَةِ، كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ كَالظِّلِّ، وَزِيرَهُ الثَّانِي بَعْدَ الصِّدِّيقِ. كَانَ مُحَدَّثًا مُلْهَمًا، تَوَافَقَ الْقُرْآنُ مَعَ رَأْيِهِ فِي مَوَاطِنَ عِدَّةٍ، وَكَانَ سَيْفًا لِلْحَقِّ فِي بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَالْخَنْدَقِ، وَمِشْعَلَ حِكْمَةٍ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَوَاقِفِ الْجِلَالِ.
وَلَمَّا حَطَّ الْفَارُوقُ رِحَالَهُ فِي دَارِ الْهِجْرَةِ، وَأَنَاخَتْ بِالْمَدِينَةِ رَكَائِبُهُ بَعْدَ أَنْ أَزْمَعَ عَلَى الْخُرُوجِ فِي وَضَحِ النَّهَارِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ شَأْنٌ إِلَّا أَنْ يَسْتَحِيلَ ظِلًّا لَا يُفَارِقُ شَخْصَ النَّبِيِّ ﷺ، وَسَنَدًا لَا يَنْأَى عَنْ عَضُدِ صَاحِبِهِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. فَفِي رِحَابِ يَثْرِبَ، الَّتِي أَشْرَقَتْ بِمَقْدَمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، تَجَلَّتْ مَنْزِلَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَكَانَ وَزِيرَ صِدْقٍ، وَمُشِيرَ حَقٍّ، وَرَجُلَ الدَّوْلَةِ الَّذِي تَتَشَكَّلُ مَلَامِحُهَا عَلَى أُسُسٍ مِنَ الْوَحْيِ وَالْحِكْمَةِ.
لَقَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهِ وَفِي أَبِي بَكْرٍ مَا يُغْنِيهِ عَنْ كَثْرَةِ الْمُسْتَشَارِينَ، فَهُمَا السَّمْعُ وَالْبَصَرُ، وَهُمَا الْوَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ كَمَا صَحَّ فِي الْخَبَرِ، إِذْ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لِي وَزِيرَيْنِ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ، وَهُمَا جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَوَزِيرَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَهُمَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ». وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ أَمْرُ الْفَارُوقِ، فَقَدْ كَانَ مُحَدَّثًا مُلْهَمًا، تَنْطِقُ الْحِكْمَةُ عَلَى لِسَانِهِ، وَيَتَنَزَّلُ الْقُرْآنُ مُوَافِقًا لِرَأْيِهِ فِي مَوَاطِنَ جِلَالٍ، حَتَّى قَالَ فِيهَا ابْنُ عُمَرَ: «مَا نَزَلَ بِالنَّاسِ أَمْرٌ قَطُّ فَقَالُوا فِيهِ وَقَالَ فِيهِ عُمَرُ، إِلَّا نَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ عُمَرُ».
وَمِنْ تِلْكَ الْمُوَافَقَاتِ الْغُرِّ الَّتِي شَرَّفَ اللهُ بِهَا عَبْدَهُ عُمَرَ، أَنَّهُ أَشَارَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، فَمَا لَبِثَ الْوَحْيُ أَنْ هَبَطَ عَلَى قَلْبِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ بِقَوْلِ الْحَقِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وَهُوَ الَّذِي تَأَذَّى مِنْ دُخُولِ الرِّجَالِ عَلَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، فَتَمَنَّى لَوْ حُجِبْنَ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ الْحِجَابِ تَصْدِيقًا لِغَيْرَتِهِ وَمِصْدَاقًا لِفِرَاسَتِهِ. وَأَمَّا يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَدْ سِيقَ الْأُسَارَى إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى رَأْيِ الصِّدِّيقِ فِي الْفِدَاءِ رَأْفَةً وَرَحْمَةً، بَيْنَمَا قَامَ عُمَرُ فَأَزْبَدَ وَأَرْعَدَ، وَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، هَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُ الشِّرْكِ، مَكِّنِّي مِنْ فُلَانٍ -قَرِيبٍ لَهُ- فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ»، فَنَزَلَ الْقُرْآنُ مُؤَيِّدًا لِشِدَّةِ الْفَارُوقِ فِي ذَاتِ اللهِ.
فِي سَاحَاتِ الْوَغَى، كَانَ عُمَرُ لَيْثًا هَصُورًا، وَسَيْفًا عَلَى أَعْدَاءِ اللهِ مَشْهُورًا. فَيَوْمَ بَدْرٍ الْفُرْقَانِ، صَالَ وَجَالَ، وَقَتَلَ خَالَهُ الْعَاصَ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَلَمْ تَأْخُذْهُ فِي اللهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَلَا شَفَاعَةُ رَحِمٍ. وَلَمَّا كَانَتْ أُحُدٌ، وَأَرْجَفَ الْمُرْجِفُونَ بِمَقْتَلِ النَّبِيِّ ﷺ، وَزَاغَتِ الْأَبْصَارُ، كَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ ثَبَتُوا حَوْلَ رَسُولِ اللهِ كَالطَّوْدِ الْأَشَمِّ. وَلَمَّا عَلَا أَبُو سُفْيَانَ الْجَبَلَ وَنَادَى: «أَفِي الْقَوْمِ مُحَمَّدٌ؟»، كَانَ صَوْتُ عُمَرَ هُوَ الرَّدَّ الْمُفْحِمَ بِأَمْرٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ: «اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ... لَا سَوَاءَ، قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ».
بَيْدَ أَنَّ أَشَدَّ الْمَوَاقِفِ الَّتِي أَظْهَرَتْ مَعْدِنَ الْفَارُوقِ كَانَتْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتٍّ لِلْهِجْرَةِ. فَلَمَّا رَأَى الشُّرُوطَ الَّتِي قَبِلَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَفِيهَا مَا ظَاهِرُهُ الْإِجْحَافُ وَالدَّنِيَّةُ فِي الدِّينِ، ثَارَتْ فِي صَدْرِهِ حَمِيَّةُ الْإِسْلَامِ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَقَالَ فِي حِدَّةٍ وَحُرْقَةٍ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى الْبَاطِلِ؟ فَعَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا إِذًا؟». فَكَانَ جَوَابُ النُّبُوَّةِ جَوَابًا سَاكِنًا وَاثِقًا: «إِنِّي رَسُولُ اللهِ، وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهُوَ نَاصِرِي». فَلَمْ تَطْمَئِنَّ نَفْسُهُ، فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، فَأَجَابَهُ الصِّدِّيقُ بِمِثْلِ جَوَابِ رَسُولِ اللهِ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ. وَلَقَدْ نَدِمَ عُمَرُ عَلَى مُرَاجَعَتِهِ تِلْكَ نَدَمًا شَدِيدًا، وَظَلَّ يَقُولُ: «فَمَا زِلْتُ أَتَصَدَّقُ وَأَصُومُ وَأُصَلِّي وَأُعْتِقُ، مِنَ الَّذِي صَنَعْتُ يَوْمَئِذٍ، مَخَافَةَ كَلَامِي الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ». وَفِي ذَلِكَ دَرْسٌ بَلِيغٌ فِي تَسْلِيمِ الْبَصِيرَةِ لِلْوَحْيِ، وَإِنْ خَالَفَتْ ظَوَاهِرُ الْأُمُورِ مَنْطِقَ الْعُقُولِ. فَمَا هِيَ إِلَّا أَيَّامٌ حَتَّى نَزَلَ الْفَتْحُ الْمُبِينُ بِسُورَةِ الْفَتْحِ، فَعَلِمَ الْجَمِيعُ أَنَّ أَمْرَ اللهِ كَانَ قَدَرًا مَقْدُورًا.
هَكَذَا قَضَى الْفَارُوقُ عَقْدًا مِنَ الزَّمَانِ فِي الْمَدِينَةِ، يَقْتَبِسُ مِنْ وَهَجِ النُّبُوَّةِ، وَيَتَشَرَّبُ مِنْ حِكْمَتِهَا، وَيُصْقَلُ فِي مَدْرَسَتِهَا، فَكَانَ سَيْفًا لِلْحَقِّ إِذَا حَمِيَ الْوَطِيسُ، وَمِشْعَلَ رَأْيٍ إِذَا ادْلَهَمَّتِ الْخُطُوبُ، وَتِلْمِيذًا نَجِيبًا فِي حَضْرَةِ الْمُعَلِّمِ الْأَعْظَمِ ﷺ، يَتَأَهَّبُ لِأَمْرٍ جَلَلٍ قَدَّرَهُ اللهُ لَهُ بَعْدَ حِينٍ.
لَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ وَدَهَمَ الْخَطْبُ، ثَبَّتَ اللهُ بِهِ الأُمَّةَ يَوْمَ السَّقِيفَةِ، فَبَايَعَ الصِّدِّيقَ وَقَطَعَ دَابِرَ الْفِتْنَةِ. وَكَانَ لِأَبِي بَكْرٍ عَضُدًا وَسَنَدًا فِي حُرُوبِ الرِّدَّةِ، حَتَّى اسْتَتَبَّ الأَمْرُ وَعَادَتِ الْجَزِيرَةُ إِلَى حَوْزَةِ الإِسْلَامِ.
وَمَا كَادَ الْفَارُوقُ يَسْتَقِرُّ فِي ظِلِّ النُّبُوَّةِ الْوَارِفِ، حَتَّى أَذِنَتْ شَمْسُهَا بِالْمَغِيبِ، وَحَانَ الْقَضَاءُ الَّذِي لَا مَرَدَّ لَهُ. فَلَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الْأَخِيرِ، وَانْقَطَعَ عَنِ النَّاسِ فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ، أَظْلَمَتِ الْمَدِينَةُ فِي عُيُونِ أَهْلِهَا، وَوَجَمَتِ الْقُلُوبُ، وَكَأَنَّ عَلَى رُؤُوسِهِمُ الطَّيْرَ. وَحِينَ فَاضَتْ رُوحُهُ الشَّرِيفَةُ إِلَى بَارِئِهَا، صَبِيحَةَ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ، دَهَمَ الْأُمَّةَ رُزْءٌ مَا رُزِئَتْ بِمِثْلِهِ قَطُّ، وَنَزَلَ بِهَا خَطْبٌ كَادَ يَصْدَعُ الْجِبَالَ الرَّوَاسِيَ.
وَفِي غَمْرَةِ هَذَا الْمُصَابِ الْجَلَلِ، ذُهِلَتِ الْعُقُولُ وَطَاشَتِ الْأَحْلَامُ، حَتَّى إِنَّ الْفَارُوقَ نَفْسَهُ، وَهُوَ جَبَلُ الثَّبَاتِ، لَقَدْ غَابَ عَنْ صَوَابِهِ مِنْ هَوْلِ الْفَاجِعَةِ، فَاسْتَلَّ حُسَامَهُ وَقَامَ فِي النَّاسِ يَزْمَجِرُ كَاللَّيْثِ الْهَصُورِ، وَيُقْسِمُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا مَاتَ، وَلَكِنَّهُ ذَهَبَ إِلَى رَبِّهِ كَمَا ذَهَبَ مُوسَى، وَأَنَّهُ سَيَعُودُ لِيَقْطَعَ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ. وَالنَّاسُ حَوْلَهُ بَيْنَ مُصَدِّقٍ وَمُكَذِّبٍ، وَالْأَمْرُ مَرِيجٌ، حَتَّى أَقْبَلَ الصِّدِّيقُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ، وَكَانَ أَثْبَتَ الْقَوْمِ جَأْشًا وَأَرْبَطَهُمْ قَلْبًا، فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ الشَّرِيفِ فَقَبَّلَهُ وَبَكَى، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ قَوْلَتَهُ الْخَالِدَةَ الَّتِي أَنْقَذَتِ الْأُمَّةَ مِنْ حَيْرَتِهَا: «أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا ﷺ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ»، ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾. قَالَ عُمَرُ: «فَوَاللهِ لَكَأَنِّي لَمْ أَسْمَعْ بِهَا قَبْلَ تِلْكَ السَّاعَةِ، فَعَقِرْتُ حَتَّى وَقَعْتُ إِلَى الْأَرْضِ، وَأَيْقَنْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ مَاتَ».
وَمَا كَادَ الْمُسْلِمُونَ يَفِيقُونَ مِنْ صَدْمَةِ الْوَفَاةِ، حَتَّى أَطَلَّتِ الْفِتْنَةُ بِرَأْسِهَا مِنْ سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، حَيْثُ اجْتَمَعَتِ الْأَنْصَارُ لِتُوَلِّيَ الْأَمْرَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَكَادَ حَبْلُ الْجَمَاعَةِ أَنْ يَنْفَصِمَ. فَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ عُمَرَ، وَأَبُو بَكْرٍ مَشْغُولٌ بِتَجْهِيزِ النَّبِيِّ ﷺ، أَدْرَكَ بِفِرَاسَتِهِ الْمُلْهَمَةِ أَنَّ هَذَا خَطْبٌ دَاهِمٌ إِنْ تُرِكَ تَفَاقَمَ. فَانْطَلَقَ كَالسَّهْمِ إِلَى بَيْتِ رَسُولِ اللهِ، فَأَخَذَ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَمَضَوْا يَقْصِدُونَ السَّقِيفَةَ. وَهُنَاكَ، تَجَلَّى عُمَرُ رَجُلَ الدَّوْلَةِ الْحَصِيفَ، فَبَعْدَ أَنْ تَكَلَّمَ الصِّدِّيقُ فَأَوْجَزَ وَأَبْلَغَ، وَقَامَ خُطَبَاءُ الْأَنْصَارِ فَعَرَضُوا مَنْطِقَ «مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ»، وَكَثُرَ اللَّغَطُ وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ، أَدْرَكَ الْفَارُوقُ أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَحْتَمِلُ إِطْنَابًا وَلَا مُسَاوَمَةً، فَقَطَعَ دَابِرَ الْفِتْنَةِ بِكَلِمَةٍ فَصْلٍ، إِذْ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: «ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ». فَبَسَطَ الصِّدِّيقُ يَدَهُ، فَضَرَبَ عَلَيْهَا عُمَرُ أَوَّلَ النَّاسِ، ثُمَّ بَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ، ثُمَّ بَايَعَتْهُ الْأَنْصَارُ، فَانْعَقَدَتِ الْبَيْعَةُ وَخَمَدَتِ الْفِتْنَةُ فِي مَهْدِهَا بِحَزْمِ عُمَرَ وَحِكْمَةِ أَبِي بَكْرٍ.
وَلَمَّا اسْتَتَبَّ الْأَمْرُ لِخَلِيفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَامَ الصِّدِّيقُ بِأَعْبَاءِ الْخِلَافَةِ، كَانَ الْفَارُوقُ لَهُ عَضُدًا وَسَنَدًا، وَرُكْنًا شَدِيدًا يَأْوِي إِلَيْهِ. فَمَا نَزَلَتْ بِالدَّوْلَةِ النَّاشِئَةِ نَازِلَةٌ، إِلَّا كَانَ عُمَرُ أَوَّلَ الْمُشِيرِينَ وَأَنْصَحَ الْوَازِرِينَ. وَقَدْ بَانَ ذَلِكَ جَلِيًّا حِينَ أَطَلَّتْ فِتْنَةُ الرِّدَّةِ الْعَمْيَاءِ، فَارْتَدَّتْ أَحْيَاءٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَمَنَعَ آخَرُونَ الزَّكَاةَ، وَقَالَ قَائِلُهُمْ: «كُنَّا نُؤَدِّيهَا لِرَسُولِ اللهِ، أَمَّا وَقَدْ مَاتَ فَلَا». وَكَادَ الْأَمْرُ يَنْفَرِطُ، حَتَّى إِنَّ عُمَرَ نَفْسَهُ، عَلَى شِدَّتِهِ فِي الْحَقِّ، قَدْ لَانَ فِي أَمْرِ مَانِعِي الزَّكَاةِ، فَدَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَقَالَ: «يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ، تَأَلَّفِ النَّاسَ وَارْفُقْ بِهِمْ، كَيْفَ تُقَاتِلُهُمْ وَقَدْ قَالُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟». فَانْتَفَضَ الصِّدِّيقُ انْتِفَاضَةَ الْأَسَدِ، وَأَجَابَ بِعَزِيمَةٍ لَا تَلِينُ: «أَجَبَّارٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، خَوَّارٌ فِي الْإِسْلَامِ يَا عُمَرُ؟ إِنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ الْوَحْيُ وَتَمَّ الدِّينُ، أَيُنْقَصُ وَأَنَا حَيٌّ؟ وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ. وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ».
فَهُنَا، أَدْرَكَ الْفَارُوقُ أَنَّ الْحَقَّ قَدْ أَنْطَقَ اللهُ بِهِ لِسَانَ الصِّدِّيقِ، وَأَنَّ بَصِيرَةَ أَبِي بَكْرٍ قَدْ نَفَذَتْ إِلَى كُنْهِ الْأَمْرِ. يَقُولُ عُمَرُ: «فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ أَنَّ اللهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ». وَمُنْذُ تِلْكَ اللَّحْظَةِ، اسْتَحَالَ الْفَارُوقُ سَيْفًا فِي يَمِينِ الْخَلِيفَةِ، يُجَهِّزُ الْجُيُوشَ، وَيُدَبِّرُ الْأُمُورَ فِي الْمَدِينَةِ، وَيَشُدُّ أَزْرَ الصِّدِّيقِ، حَتَّى أَذْعَنَتْ قَبَائِلُ الْعَرَبِ، وَعَادَتِ الْجَزِيرَةُ كُلُّهَا إِلَى حَوْزَةِ الْإِسْلَامِ، وَانْطَلَقَتْ جُيُوشُ الْفَتْحِ تَزْلْزِلُ عُرُوشَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ. فَلَقَدْ كَانَ عُمَرُ فِي عَهْدِ الصِّدِّيقِ هُوَ الْوَزِيرَ الْأَوَّلَ بِحَقٍّ، وَالرُّكْنَ الَّذِي عَلَيْهِ قَامَتْ أُسُسُ الْخِلَافَةِ الرَّاشِدَةِ فِي أَحْلَكِ أَيَّامِهَا وَأَقْسَاهَا.
وَلِيَ الْخِلَافَةَ بِعَهْدٍ مِنَ الصِّدِّيقِ، فَسَاسَ النَّاسَ بِالْعَدْلِ وَالْحَزْمِ، وَالزُّهْدِ وَالْوَرَعِ. فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سُمِّيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَرْسَى دَعَائِمَ حُكْمٍ رَاشِدٍ، جَعَلَ فِيهِ الْقَوِيَّ ضَعِيفًا حَتَّى يَأْخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ، وَالضَّعِيفَ قَوِيًّا حَتَّى يَرُدَّ إِلَيْهِ حَقَّهُ.
وَلَمَّا أَنْهَكَ الْمَرَضُ جَسَدَ الصِّدِّيقِ الأَوَّاهِ، وَأَحَسَّ بِدُنُوِّ الأَجَلِ وَانْقِضَاءِ الأَمَدِ، لَمْ يَشْغَلْهُ مَا يُقَاسِيهِ مِنْ أَوْصَابِ الْبَدَنِ عَنْ خَطْبِ الأُمَّةِ الْجَلَلِ؛ فَإِنَّ حَوْزَةَ الإِسْلَامِ وَمَصِيرَ الْمُسْلِمِينَ كَانَا هَمَّهُ الأَكْبَرَ وَشُغْلَهُ الَّذِي لَا يَغِيبُ. فَجَمَعَ وُجُوهَ الصَّحَابَةِ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، وَطَرَحَ عَلَيْهِمْ أَمْرَ الِاسْتِخْلَافِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ اسْمُ رَجُلٍ وَاحِدٍ، كَانَ يَرَاهُ السَّدَّ الْمَنِيعَ وَالْحِصْنَ الْحَصِينَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ بَعْدَهُ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ.
بَيْدَ أَنَّ الصِّدِّيقَ، بِفِقْهِهِ الْعَمِيقِ وَبُعْدِ نَظَرِهِ، أَرَادَ أَنْ تَكُونَ الْكَلِمَةُ جَمْعَاءَ وَالْقُلُوبُ مُؤْتَلِفَةً. فَاسْتَدْعَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فَقَالَ لَهُ: «مَا تَقُولُ فِي عُمَرَ؟» فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: «يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ، هُوَ وَاللهِ أَفْضَلُ مِنْ رَأْيِكَ فِيهِ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ غِلْظَةً». فَأَجَابَهُ الصِّدِّيقُ بِجَوَابِ الْعَارِفِ الْخَبِيرِ: «ذَلِكَ لأَنَّهُ يَرَانِي رَقِيقًا، وَلَوْ أَفْضَى الأَمْرُ إِلَيْهِ لَتَرَكَ كَثِيرًا مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ». ثُمَّ دَعَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فَسَأَلَهُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: «اللَّهُمَّ عِلْمِي بِهِ أَنَّ سَرِيرَتَهُ خَيْرٌ مِنْ عَلَانِيَتِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِينَا مِثْلُهُ». فَتَهَلَّلَ وَجْهُ الصِّدِّيقِ، وَاسْتَتَبَّ لَهُ الأَمْرُ.
وَأَزْمَعَ عَلَى كِتَابَةِ الْعَهْدِ، فَدَعَا عُثْمَانَ لِيُمْلِيَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «اكْتُبْ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا عَهِدَ بِهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ فِي آخِرِ عَهْدِهِ بِالدُّنْيَا خَارِجًا مِنْهَا، وَأَوَّلِ عَهْدِهِ بِالآخِرَةِ دَاخِلًا فِيهَا... إِنِّي اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا...». وَمَا كَادَ يَصِلُ إِلَى اسْمِ عُمَرَ حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ الْوَجَعِ، فَأَخَذَ عُثْمَانُ الْقَلَمَ، وَبِفِرَاسَةِ الْمُؤْمِنِ وَيَقِينِ الصَّاحِبِ، كَتَبَ: «عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ». فَلَمَّا أَفَاقَ الصِّدِّيقُ قَالَ: «اقْرَأْ عَلَيَّ»، فَقَرَأَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا بَلَغَ اسْمَ عُمَرَ، كَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: «أَرَاكَ خِفْتَ أَنْ يَخْتَلِفَ النَّاسُ إِنْ مِتُّ فِي غَشْيَتِي؟» قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: «جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا عَنِ الإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ». وَهَكَذَا، بِرُؤْيَةٍ صِدِّيقِيَّةٍ وَتَسْدِيدٍ إِلَهِيٍّ، انْتَقَلَ ثِقَلُ الأَمَانَةِ إِلَى كَاهِلِ الْفَارُوقِ.
وَلَمَّا قُبِضَ الصِّدِّيقُ وَوُورِيَ الثَّرَى، وَقَفَ الْفَارُوقُ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَكَانَتْ أَوَّلُ خُطْبَةٍ لَهُ بَعْدَ الْبَيْعَةِ مِيثَاقًا عَظِيمًا وَمَنْهَجًا قَوِيمًا لِإِمَارَتِهِ. حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ قَوْلَتَهُ الشَّهِيرَةَ الَّتِي أَرْسَتْ دَعَائِمَ الْعَدْلِ وَالْحَزْمِ:
«أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ، وَلَوْلَا أَنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا تَقَلَّدْتُ أَمْرَكُمْ... اللَّهُمَّ إِنِّي شَدِيدٌ فَلَيِّنِّي، وَإِنِّي ضَعِيفٌ فَقَوِّنِي، وَإِنِّي بَخِيلٌ فَسَخِّنِي... وَاعْلَمُوا أَنَّ شِدَّتِي تِلْكَ قَدِ ازْدَادَتْ ضِعْفًا عَلَى الظَّالِمِ الْمُعْتَدِي، وَأَنَّ خَدِّي بِالأَرْضِ لأَهْلِ الْعَفَافِ وَالْكَفَافِ وَالدِّينِ. وَلَنْ يَبْلُغَ أَحَدٌ أَنْ يَظْلِمَ أَحَدًا أَوْ يَعْتَدِيَ عَلَيْهِ حَتَّى أَضَعَ خَدَّهُ عَلَى الأَرْضِ وَأَضَعَ قَدَمِي عَلَى خَدِّهِ الآخَرِ حَتَّى يُذْعِنَ لِلْحَقِّ. وَإِنَّ الْقَوِيَّ فِيكُمْ ضَعِيفٌ عِنْدِي حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ، وَإِنَّ الضَّعِيفَ فِيكُمْ قَوِيٌّ عِنْدِي حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ لَهُ».
وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سُمِّيَ بِـ «أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ»؛ إِذْ كَانُوا يَقُولُونَ لَهُ: «يَا خَلِيفَةَ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللهِ»، فَاسْتَطَالُوا اللَّقَبَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: «نَحْنُ الْمُؤْمِنُونَ وَهُوَ أَمِيرُنَا»، فَجَرَى بِهِ اللِّسَانُ وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الإِجْمَاعُ، فَكَانَ لَقَبًا جَامِعًا لِمَعَانِي الْقِيَادَةِ وَالرِّعَايَةِ وَالْجِهَادِ. وَهَكَذَا بَزَغَ فَجْرُ الْخِلَافَةِ الْعُمَرِيَّةِ، قَبَسًا مُتَّصِلًا بِوَهَجِ النُّبُوَّةِ وَنُورِ الصِّدِّيقِيَّةِ، لِيُبَدِّدَ ظُلُمَاتِ الْجَوْرِ، وَيُقِيمَ صَرْحَ الْعَدْلِ فِي أَرْجَاءِ الْمَعْمُورَةِ.
وَجَّهَ الْفُيُولَ الإِسْلَامِيَّةَ صَوْبَ الشَّرْقِ، فَدَكَّتْ مَعَاقِلَ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ السَّاسَانِيَّةِ فِي وَقَائِعَ خَالِدَةٍ كَالْقَادِسِيَّةِ وَنَهَاوَنْدَ، حَتَّى تَلاشَى مُلْكُ كِسْرَى وَأَشْرَقَتْ شَمْسُ التَّوْحِيدِ عَلَى أَرْضِ فَارِسَ.
وَلَمَّا اسْتَتَبَّ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الأَمْرُ فِي مَدِينَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَرْسَى قَوَاعِدَ الدَّوْلَةِ عَلَى أُسُسٍ مِنَ الْعَدْلِ رَاسِخَةٍ، وَأَعْمِدَةٍ مِنَ التَّقْوَى شَامِخَةٍ، طَمَحَ بَصَرُهُ الثَّاقِبُ إِلَى مَا وَرَاءَ حُدُودِ الْجَزِيرَةِ، حَيْثُ يَرْبِضُ لِلإِسْلَامِ عَدُوٌّ لَدُودٌ، وَخَصْمٌ مُتَجَبِّرٌ عَنِيدٌ؛ إِنَّهُ عَرْشُ كِسْرَى الَّذِي طَالَ مَا اسْتَطَالَ فِي الأَرْضِ، وَاسْتَكْبَرَ عَلَى الْعِبَادِ، وَأَطْفَأَ مَشَارِقَ الْهِدَايَةِ بِغَيَاهِبِ الْمَجُوسِيَّةِ.
كَانَتْ دَوْلَةُ فَارِسَ، بِإِرْثِهَا الْبَاذِخِ وَسُؤْدُدِهَا الْقَدِيمِ، تَرْنُو شَزْرًا إِلَى هَذَا الدِّينِ الْوَلِيدِ الَّذِي بَزَغَ وَهَجُهُ مِنَ الصَّحْرَاءِ، فَأَزْمَعَ عُمَرُ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنْ يَرُدَّ كَيْدَهُمْ فِي نُحُورِهِمْ، وَأَنْ يَحْمِلَ إِلَيْهِمْ نُورَ التَّوْحِيدِ الَّذِي بِهِ تَسْتَقِيمُ الْحَيَاةُ وَيَصْلُحُ الْوُجُودُ. فَنَادَى فِي النَّاسِ بِالْجِهَادِ، وَهَمَّ أَنْ يَقُودَ الْجَيْشَ بِنَفْسِهِ، لَوْلَا أَنَّ أَهْلَ الشُّورَى، وَعَلَى رَأْسِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، أَثْنَوْهُ عَنْ عَزْمِهِ، قَائِلِينَ: «يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَقِمْ، فَإِنَّكَ إِنْ تَخْرُجْ وَتُصَبْ لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ نِظَامٌ، فَابْعَثْ رَجُلًا وَامْدُدْهُ بِالْجُنُودِ». فَاسْتَصْوَبَ الْفَارُوقُ رَأْيَهُمْ، فَقَدْ كَانَ لِلأُمَّةِ قُطْبَ رَحَاهَا، وَمَنَاطَ أَمْرِهَا.
فَأَخَذَ يَبْحَثُ عَنْ قَائِدٍ يَنْهَضُ بِهَذَا الْعِبْءِ الْجَسِيمِ، فَوَقَعَ اخْتِيَارُهُ عَلَى أَسَدٍ مِنْ أُسُودِ قُرَيْشٍ، وَسَهْمٍ مِنْ كِنَانَةِ الإِسْلَامِ؛ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الزُّهْرِيِّ، خَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَحَدِ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ، وَأَوَّلِ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ. فَأَوْصَاهُ وَصِيَّةً خَالِدَةً، هِيَ دُسْتُورُ الْقِيَادَةِ وَنِبْرَاسُ الْجُنْدِيَّةِ:
«يَا سَعْدُ بْنَ وُهَيْبٍ، لَا يَغُرَّنَّكَ مِنَ اللهِ أَنْ قِيلَ: خَالُ رَسُولِ اللهِ وَصَاحِبُهُ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَّيِّئِ، وَلَكِنَّهُ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالْحَسَنِ. فَإِنَّ اللهَ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ نَسَبٌ إِلَّا طَاعَتُهُ... فَانْظُرِ الأَمْرَ الَّذِي رَأَيْتَ النَّبِيَّ ﷺ عَلَيْهِ فَالْزَمْهُ، فَإِنَّهُ الأَمْرُ».
وَسَارَ سَعْدٌ عَلَى رَأْسِ جَيْشٍ، قَلِيلٍ فِي عَدَدِهِ، عَظِيمٍ فِي عُدَّتِهِ الإِيمَانِيَّةِ، حَتَّى نَزَلَ الْقَادِسِيَّةَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَفِي الضِّفَّةِ الأُخْرَى، حَشَدَ يَزْدَجِرْدُ، آخِرُ أَكَاسِرَةِ السَّاسَانِيِّينَ، فَيْلَقًا جَرَّارًا يَزِيدُ عَلَى مِائَةِ أَلْفٍ، يَقُودُهُ كَبِيرُهُمْ رُسْتُمُ، تَحُفُّ بِهِمُ الْفِيَلَةُ الدُّرْبُ، وَتَزْهُو بِهِمْ رَايَاتُ الشِّرْكِ. وَقَبْلَ أَنْ يَلْتَحِمَ الْجَمْعَانِ، أَرْسَلَ سَعْدٌ رُسُلَهُ إِلَى رُسْتُمَ، يَدْعُونَهُمْ إِلَى اللهِ، فَقَامَ فِيهِمْ رِبْعِيُّ بْنُ عَامِرٍ، فَدَخَلَ عَلَى قَائِدِ الْفُرْسِ وَهُوَ فِي أُبَّهَتِهِ، فَمَشَى بِثِقَةِ الْمُؤْمِنِ، يَتَوَكَّأُ عَلَى رُمْحِهِ، فَلَمَّا سَأَلَهُ رُسْتُمُ: «مَا جَاءَ بِكُمْ؟»، أَجَابَهُ بِقَوْلَةٍ دَوَّى صَدَاهَا فِي إِيوَانِ كِسْرَى وَزَلْزَلَتْ أَرْكَانَهُ: «اللهُ ابْتَعَثَنَا لِنُخْرِجَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ، وَمِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سَعَتِهَا، وَمِنْ جَوْرِ الأَدْيَانِ إِلَى عَدْلِ الإِسْلَامِ».
ثُمَّ دَارَتْ رَحَى الْحَرْبِ الضَّرُوسِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ عِجَافٍ، كَانَتْ مَلْحَمَةً مِنْ أَعْظَمِ مَلَاحِمِ التَّارِيخِ. وَكَانَ لِصَوْتِ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو التَّمِيمِيِّ، الَّذِي قَالَ فِيهِ الصِّدِّيقُ: «لَصَوْتُ الْقَعْقَاعِ فِي الْجَيْشِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ رَجُلٍ»، أَثَرٌ كَبِيرٌ فِي شَحْذِ الْهِمَمِ. وَفِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ، هَبَّتْ رِيحٌ عَاصِفَةٌ قَلَبَتْ خِيَامَ الْفُرْسِ، وَأَعْمَتْ أَبْصَارَهُمْ، وَأَلْقَتْ بِرُسْتُمَ فِي النَّهْرِ فَقُتِلَ، فَانْفَرَطَ عِقْدُهُمْ، وَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ. وَكَانَ فَتْحًا مُبِينًا، فُتِحَتْ بِهِ أَبْوَابُ الْعِرَاقِ عَلَى مَصَارِيعِهَا.
وَلَمْ يَقِفْ سَيْلُ الْفَتْحِ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ، بَلْ وَاصَلَ سَعْدٌ زَحْفَهُ حَتَّى بَلَغَ الْمَدَائِنَ، عَاصِمَةَ مُلْكِ الأَكَاسِرَةِ، فَدَخَلَ الإِيوَانَ الأَبْيَضَ، وَهُوَ يَتْلُو قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾. وَأُقِيمَتْ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ لأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي قَلْبِ إِمْبِرَاطُورِيَّةٍ عَاتِيَةٍ، إِيذَانًا بِأُفُولِ نَجْمِ الْمَجُوسِيَّةِ وَشُرُوقِ شَمْسِ التَّوْحِيدِ.
بَيْدَ أَنَّ الْفُرْسَ لَمْ يَسْتَكِينُوا، فَجَمَعُوا جُمُوعَهُمُ الأَخِيرَةَ فِي نَهَاوَنْدَ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، فِي جَيْشٍ لُجْبٍ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ. فَاسْتَنْفَرَ عُمَرُ لَهُمُ الْمُسْلِمِينَ، وَوَلَّى عَلَيْهِمُ النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيَّ. وَكَانَتْ وَقْعَةٌ هَائِلَةٌ، اسْتُشْهِدَ فِيهَا النُّعْمَانُ بَعْدَ أَنْ أَبْلَى بَلَاءً حَسَنًا، وَلَكِنَّ اللهَ كَتَبَ النَّصْرَ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ. وَلَمَّا جَاءَ الْبَشِيرُ إِلَى عُمَرَ فِي الْمَدِينَةِ، سَأَلَهُ عَنِ النُّعْمَانِ، فَلَمَّا عَلِمَ بِمَقْتَلِهِ بَكَى وَنَحَبَ. وَقَدْ سَمَّى عُمَرُ هَذَا النَّصْرَ «فَتْحَ الْفُتُوحِ»؛ إِذْ لَمْ تَقُمْ لِلْفُرْسِ بَعْدَهُ قَائِمَةٌ، وَتَهَاوَى عَرْشُ كِسْرَى إِلَى الأَبَدِ، وَانْفَتَحَتْ أَرْضُ فَارِسَ كُلُّهَا أَمَامَ جُيُوشِ الإِسْلَامِ، لِتَدْخُلَ أُمَمٌ كَثِيرَةٌ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا.
وَفِي الشَّامِ، تَحَطَّمَتْ جُيُوشُ الرُّومِ الْجَرَّارَةُ عَلَى صَخْرَةِ الْيَرْمُوكِ، وَفُتِحَتْ دِمَشْقُ وَحِمْصُ. وَلَمَّا حُوصِرَتْ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، أَبَى أَهْلُهَا أَنْ يُسَلِّمُوا إِلاَّ لِلْخَلِيفَةِ نَفْسِهِ، فَسَارَ إِلَيْهَا فِي مَشْهَدٍ مَهِيبٍ مِنَ التَّوَاضُعِ، وَتَسَلَّمَ مَفَاتِيحَهَا وَكَتَبَ الْعُهْدَةَ الْعُمَرِيَّةَ الشَّهِيرَةَ.
وَلَمَّا اسْتَتَبَّ لِأَسَدِ الإِسْلَامِ أَمْرُ الْعِرَاقِ، وَتَدَاعَى عَرْشُ كِسْرَى تَحْتَ وَطْأَةِ فُتُوحَاتِهِ، وَانْقَشَعَتْ غَيَاهِبُ الْمَجُوسِيَّةِ عَنْ أَرْضِ الرَّافِدَيْنِ، لَمْ تَكُنْ عَيْنُ الْفَارُوقِ الْيَقْظَى لِتَغْفَلَ عَنْ شَامِ الرُّومِ، حَيْثُ قَيَاصِرَةُ بَنِي الأَصْفَرِ قَدْ حَشَدُوا الْحُشُودَ، وَجَمَعُوا الْجُمُوعَ، وَأَزْمَعُوا أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ. بَيْدَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَدْ أُلْهِمَ رُشْدَهُ، كَانَ قَدْ وَجَّهَ إِلَيْهَا جَحَافِلَ الإِيمَانِ، يَقُودُهَا أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ عَامِرُ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَمَعَهُ ثُلَّةٌ مِنْ كَوَاكِبِ الصَّحْبِ، أَمْثَالُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَشُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ.
وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْيَرْمُوكِ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ. فَفِي ذَلِكَ الْوَادِي السَّحِيقِ، احْتَشَدَ لِلرُّومِ فَيْلَقٌ جَرَّارٌ، وَجَيْشٌ لُهَامٌ، قِيلَ إِنَّ عَدَدَهُمْ جَاوَزَ مِائَتَيْ أَلْفٍ وَأَرْبَعِينَ أَلْفًا، يَقُودُهُمْ عَظِيمٌ مِنْ عُظَمَائِهِمْ يُدْعَى (مَاهَانَ)، قَدْ رَبَطَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالسَّلَاسِلِ كَيْ لَا يَفِرُّوا، وَكَأَنَّهُمْ يَسُوقُونَ أَنْفُسَهُمْ إِلَى حَتْفِهَا سَوْقًا. وَفِي الْمُقَابِلِ، وَقَفَتْ عُصْبَةُ الْمُؤْمِنِينَ، مَا نَيَّفُوا عَلَى الثَّلَاثِينَ أَلْفًا، قُلُوبُهُمْ أَشَدُّ مِنَ الزُّبُرِ، وَإِيمَانُهُمْ أَرْسَى مِنَ الْجِبَالِ الشُّمِّ. وَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ عُمَرَ، أَمَدَّهُمْ بِسَيْفِ اللهِ الْمَسْلُولِ، خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَانْضَمَّ إِلَيْهِمْ قَادِمًا مِنَ الْعِرَاقِ فِي قِصَّةٍ هِيَ مِنْ أَعَاجِيبِ السِّيَرِ، فَتَوَلَّى دَفَّةَ الْقِيَادَةِ بِحِنْكَتِهِ الَّتِي لَا تُبَارَى.
وَفِي يَوْمٍ عَظِيمِ الْوَهَجِ، شَدِيدِ الرَّهَجِ، الْتَقَى الْجَمْعَانِ، وَاصْطَدَمَ الْبَحْرَانِ، وَثَارَ الْعَجَاجُ حَتَّى حَجَبَ عَيْنَ السَّمَاءِ. فَأَبْلَى الْمُسْلِمُونَ بَلَاءً حَسَنًا، وَصَبَرُوا صَبْرًا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، وَكَانَتْ حَرَائِرُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ وَرَائِهِمْ بِأَعْمِدَةِ الْخِيَامِ، كُلَّمَا رَأَيْنَ فَارًّا ضَرَبْنَهُ وَقُلْنَ: "أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَدَعُنَا لِلْعُلُوجِ؟". فَمَا انْفَلَقَ الصُّبْحُ عَنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ الْعَصِيبِ إِلاَّ وَقَدْ دَارَتِ الدَّائِرَةُ عَلَى الرُّومِ، فَصُرِعَتْ بِطَارِقَتُهُمْ، وَتَسَاقَطَتْ فَيَالِقُهُمْ، وَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَمَا نَجَا مِنْهُمْ إِلاَّ الشَّرِيدُ. وَهَكَذَا تَحَطَّمَتْ عَلَى صَخْرَةِ الْيَرْمُوكِ قُوَّةُ الرُّومِ الَّتِي طَالَمَا أَرْعَبَتِ الدُّنْيَا، وَفُتِحَ الطَّرِيقُ أَمَامَ الإِسْلَامِ لِيُشْرِقَ نُورُهُ عَلَى بِلاَدِ الشَّامِ.
وَلَمَّا اسْتَتَبَّ النَّصْرُ، تَسَاقَطَتْ مُدُنُ الشَّامِ وَحُصُونُهَا تَسَاقُطَ الْوَرَقِ فِي الْخَرِيفِ؛ فَفُتِحَتْ دِمَشْقُ الْفَيْحَاءُ، ثُمَّ حِمْصُ وَمَا وَالَاهَا. حَتَّى إِذَا وَصَلَتْ جُيُوشُ الإِسْلَامِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، مَهْدِ الأَنْبِيَاءِ وَأُولَى الْقِبْلَتَيْنِ، ضَرَبَ عَلَيْهَا أَبُو عُبَيْدَةَ حِصَارًا شَدِيدًا. وَلَمَّا طَالَ بِأَهْلِهَا الْحِصَارُ وَأَجْهَدَهُمُ الْجُوعُ، طَلَبُوا الصُّلْحَ، لَكِنَّ بِطْرِيقَهُمْ الأَكْبَرَ صُفْرُونْيُوسَ أَبَى أَنْ يُسَلِّمَ مَفَاتِيحَ الْمَدِينَةِ إِلاَّ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ نَفْسِهِ، قَائِلاً: "إِنَّنَا نَجِدُ صِفَتَهُ فِي كُتُبِنَا، فَلاَ نُسَلِّمُهَا إِلاَّ لَهُ".
فَكَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى عُمَرَ، فَاسْتَشَارَ الْفَارُوقُ كِبَارَ الصَّحَابَةِ، فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِالْمَسِيرِ؛ لِيَرَى الْعَالَمُ كَيْفَ يَكُونُ الْفَتْحُ الَّذِي يَقُومُ عَلَى الْحَقِّ وَالْعَدْلِ. فَسَارَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مَدِينَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي مَشْهَدٍ مَا رَأَتِ الدُّنْيَا لَهُ نَظِيرًا فِي التَّوَاضُعِ وَالزُّهْدِ. لَمْ يَخْرُجْ فِي مَوْكِبٍ وَلاَ حَشَمٍ، بَلْ خَرَجَ فِي ثَوْبٍ مِنْ صُوفٍ بِهِ رِقَاعٌ، عَلَى بَعِيرٍ وَاحِدٍ يَتَعَاقَبُهُ هُوَ وَغُلاَمُهُ. فَيَرْكَبُ هَذَا مَرْحَلَةً، وَذَاكَ مَرْحَلَةً. وَلَمَّا شَارَفُوا الْقُدْسَ، كَانَتْ نَوْبَةُ الْغُلاَمِ فِي الرُّكُوبِ، فَأَبَى الْغُلاَمُ وَقَالَ: "أَنْتَ تَرْكَبُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِيَرَاكَ النَّاسُ". فَغَضِبَ عُمَرُ وَقَالَ قَوْلَتَهُ الشَّهِيرَةَ: "لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا غُلاَمُ! إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَوْمٍ فَأَعَزَّنَا اللهُ بِالإِسْلاَمِ، فَمَهْمَا نَطْلُبِ الْعِزَّةَ بِغَيْرِ مَا أَعَزَّنَا اللهُ بِهِ أَذَلَّنَا اللهُ". وَأَصَرَّ أَنْ يَمْشِيَ، فَدَخَلَ أَرْضَ الْقُدْسِ وَهُوَ يَقُودُ الْبَعِيرَ بِيَدِهِ وَعَلَيْهِ غُلاَمُهُ، وَثَوْبُهُ يَخُوضُ فِي الْوَحْلِ، فَلَمَّا رَآهُ الْبِطْرِيقُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، قَالَ: "بِهَذَا وَاللهِ تُفْتَحُ لَكُمُ الْبِلاَدُ".
فَتَسَلَّمَ عُمَرُ مَفَاتِيحَ الْمَدِينَةِ، وَكَتَبَ لأَهْلِهَا كِتَابَ أَمَانٍ خَالِدًا، عُرِفَ فِي التَّارِيخِ بِـالْعُهْدَةِ الْعُمَرِيَّةِ، كَانَ دُرَّةً فِي تَاجِ الْعَدْلِ الإِنْسَانِيِّ وَسَمَاحَةِ الإِسْلاَمِ. جَاءَ فِيهِ:
"بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هَذَا مَا أَعْطَى عَبْدُ اللهِ عُمَرُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَهْلَ إِيلِيَاءَ مِنَ الأَمَانِ. أَعْطَاهُمْ أَمَانًا لأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَلِكَنَائِسِهِمْ وَصُلْبَانِهِمْ، وَسَقِيمِهَا وَبَرِيئِهَا وَسَائِرِ مِلَّتِهَا. أَنَّهُ لاَ تُسْكَنُ كَنَائِسُهُمْ وَلاَ تُهْدَمُ، وَلاَ يُنْتَقَصُ مِنْهَا وَلاَ مِنْ حَيِّزِهَا، وَلاَ مِنْ صَلِيبِهِمْ، وَلاَ مِنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلاَ يُكْرَهُونَ عَلَى دِينِهِمْ، وَلاَ يُضَارَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ".
وَلَمَّا حَانَتْ صَلاَةُ الظُّهْرِ وَهُوَ فِي كَنِيسَةِ الْقِيَامَةِ، قَالَ لَهُ الْبِطْرِيقُ: "صَلِّ مَكَانَكَ". فَأَبَى عُمَرُ وَخَرَجَ فَصَلَّى خَارِجَهَا، وَقَالَ: "أَخْشَى إِنْ صَلَّيْتُ فِيهَا أَنْ يَقُولَ الْمُسْلِمُونَ فِيمَا بَعْدُ: هُنَا صَلَّى عُمَرُ، فَيَبْنُوا عَلَيْهِ مَسْجِدًا". فَكَانَ فِي فِعْلِهِ هَذَا آيَةٌ فِي الْوَرَعِ وَبُعْدِ النَّظَرِ وَحِفْظِ الْحُقُوقِ. وَبِذَلِكَ، دَخَلَتِ الْقُدْسُ تَحْتَ ظِلِّ الإِسْلاَمِ الْوَارِفِ، لاَ فَتْحَ قَهْرٍ وَغَلَبَةٍ، بَلْ فَتْحَ رَحْمَةٍ وَهِدَايَةٍ، لِيَشُعَّ مِنْهَا نُورُ الْعَدْلِ الْعُمَرِيِّ عَلَى الْعَالَمِينَ.
لَمْ يَكُنْ فَاتِحًا فَحَسْبُ، بَلْ كَانَ مُؤَسِّسًا عَبْقَرِيًّا. فَهُوَ مَنْ دَوَّنَ الدَّوَاوِينَ، وَمَصَّرَ الأَمْصَارَ كَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ، وَأَرَّخَ بِالْهِجْرَةِ، وَأَقَامَ نِظَامَ الْبَرِيدِ وَالْعَسَسِ، وَوَضَعَ أُسُسَ الدَّوْلَةِ الإِسْلَامِيَّةِ الإِدَارِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ.
وَلَمَّا انْبَسَطَ ظِلُّ الإِسْلَامِ الْوَارِفِ عَلَى أَرْجَاءِ الأَرْضِ، مِنْ تُخُومِ فَارِسَ شَرْقًا إِلَى حُدُودِ مِصْرَ غَرْبًا، وَتَدَفَّقَتْ عَلَى مَدِينَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَمْوَالُ الْفَيْءِ وَكُنُوزُ الأَكَاسِرَةِ وَالْقَيَاصِرَةِ كَالسَّيْلِ الْعَرِمِ، لَمْ تَشْغَلْ هَذِهِ الْفُتُوحُ الْعِظَامُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ هَمٍّ أَعْظَمَ، وَشَأْنٍ أَجَلَّ؛ أَلَا وَهُوَ إِرْسَاءُ دَعَائِمِ الدَّوْلَةِ عَلَى قَوَاعِدَ مِنَ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ لَا تَزُولُ، وَتَنْظِيمُ شُؤُونِ الأُمَّةِ فِي بُنْيَانٍ مَرْصُوصٍ لَا يَخْتَلُّ.
فَإِنَّ الْفَتْحَ بِالسَّيْفِ، وَإِنْ عَظُمَ، لَا يَقُومُ لَهُ عَمُودٌ إِلَّا إِذَا أَعْقَبَهُ فَتْحٌ بِالْحِكْمَةِ وَالتَّدْبِيرِ. وَهُنَا تَجَلَّتْ عَبْقَرِيَّةُ الْفَارُوقِ الْفَذَّةُ، فَلَمْ يَكُنْ قَائِدًا عَسْكَرِيًّا فَحَسْبُ، بَلْ كَانَ مُؤَسِّسًا مُلْهَمًا، وَمُشَرِّعًا إِدَارِيًّا لَمْ يُسْبَقْ إِلَى مِثْلِهِ. فَلَمَّا جِيءَ إِلَيْهِ بِمَالِ الْبَحْرَيْنِ الْوَفِيرِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَالٍ عَظِيمٍ يَرِدُ الْمَدِينَةَ، اسْتَشَارَ الصَّحْبَ الْكِرَامَ فِي أَمْرِهِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يُقَسِّمَهُ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَخَلِيفَتُهُ مِنْ بَعْدِهِ. بَيْدَ أَنَّ الدَّوْلَةَ قَدِ اتَّسَعَتْ، وَالرَّعِيَّةَ قَدْ كَثُرَتْ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ، وَيُقَالُ إِنَّهُ الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ أَوْ هُرْمُزَانُ عَظِيمُ الأَهْوَازِ بَعْدَ إِسْلَامِهِ: "يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي رَأَيْتُ مُلُوكَ الأَعَاجِمِ يُدَوِّنُونَ دِيوَانًا لِجُنْدِهِمْ وَعَطَائِهِمْ". فَاسْتَحْسَنَ عُمَرُ الْفِكْرَةَ، وَأَزْمَعَ عَلَى أَمْرٍ كَانَ بِهِ قِوَامُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا.
فَأَنْشَأَ الدَّوَاوِينَ، وَهِيَ السِّجِلَّاتُ الْعُظْمَى الَّتِي حَفِظَتْ حُقُوقَ الرَّعِيَّةِ وَنَظَّمَتْ شُؤُونَ الدَّوْلَةِ. فَأَقَامَ دِيوَانَ الْجُنْدِ وَالْعَطَاءِ، فَأَمَرَ بِإِحْصَاءِ النَّاسِ جَمِيعًا، وَفَرَضَ لَهُمُ الْعَطَاءَ مِنَ الْفَيْءِ. وَلَكِنَّهُ لَمْ يُسَوِّ بَيْنَهُمْ تَسْوِيَةً مُطْلَقَةً، بَلْ فَاضَلَ بَيْنَهُمْ بِالسَّابِقَةِ فِي الإِسْلَامِ وَالْقُرْبِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالْبَلَاءِ فِي الْجِهَادِ. فَبَدَأَ بِأَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ أَهْلِ بَدْرٍ، ثُمَّ أُحُدٍ، ثُمَّ مَنْ بَعْدَهُمْ، حَتَّى شَمِلَ الْعَطَاءُ الْمَوَالِيَ وَالنِّسَاءَ وَالْوِلْدَانَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ فَرَضَ لِلُقَطَاءِ رِزْقًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. وَأَنْشَأَ دِيوَانَ الْخَرَاجِ لِتَنْظِيمِ جِبَايَةِ الأَمْوَالِ مِنْ أَرَاضِي الْفَتْحِ، فَأَبْقَى الأَرَاضِيَ فِي أَيْدِي أَهْلِهَا، وَضَرَبَ عَلَيْهَا خَرَاجًا مَعْلُومًا، فَكَانَ فِي ذَلِكَ عَدْلٌ لِلْمَفْتُوحِينَ وَمَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَلَمَّا رَأَى أَنَّ الْجُنُودَ الْفَاتِحِينَ قَدْ بَدَأُوا يَتَفَرَّقُونَ فِي الْقُرَى وَيَخْتَلِطُونَ بِأَهْلِ الْبِلَادِ الْمَفْتُوحَةِ، خَشِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَوْبَانِ عُرُوبَتِهِمْ وَفُتُورِ هِمَّتِهِمُ الْجِهَادِيَّةِ، فَأَمَرَ بِـتَمْصِيرِ الأَمْصَارِ. فَاخْتَطَّ الْبَصْرَةَ وَالْكُوفَةَ فِي الْعِرَاقِ، وَالْفُسْطَاطَ فِي مِصْرَ، لِتَكُونَ مَعَاقِلَ لِلْجُنْدِ، وَمَرَاكِزَ لِلْحُكْمِ، وَمَنَارَاتٍ لِلْعِلْمِ وَالدِّينِ فِي الأَرَاضِي الْجَدِيدَةِ. فَنَشَأَتْ هَذِهِ الْمُدُنُ الْعَظِيمَةُ بِأَمْرِهِ، وَخُطِّطَتْ شَوَارِعُهَا وَمَسَاجِدُهَا وَأَسْوَاقُهَا وَفْقَ رُؤْيَةٍ عُمْرَانِيَّةٍ وَاسْتِرَاتِيجِيَّةٍ بَعِيدَةِ الْمَدَى.
ثُمَّ إِنَّهُ رَأَى الْكُتُبَ تَأْتِيهِ مِنَ الْوُلَاةِ وَالْقُوَّادِ مُؤَرَّخَةً بِالشُّهُورِ دُونَ السِّنِينَ، فَيَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الأَمْرُ. فَجَمَعَ النَّاسَ وَقَالَ: "ضَعُوا لِلنَّاسِ شَيْئًا يَعْرِفُونَهُ". فَاقْتَرَحَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُؤَرِّخُوا بِتَارِيخِ الرُّومِ أَوْ فَارِسَ، فَكَرِهَ ذَلِكَ. وَاقْتَرَحَ آخَرُونَ أَنْ يُؤَرِّخُوا بِمَوْلِدِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ بِبَعْثَتِهِ أَوْ بِوَفَاتِهِ. فَأَشَارَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِأَنْ يُؤَرِّخُوا بِالْهِجْرَةِ، لأَنَّهَا فَرَّقَتْ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَكَانَتْ مَبْدَأَ قِيَامِ دَوْلَةِ الإِسْلَامِ. فَاسْتَحْسَنَ الْفَارُوقُ ذَلِكَ الرَّأْيَ السَّدِيدَ، وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ، فَأُرِّخَ بِالْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ جَلَائِلِ أَعْمَالِهِ.
وَلَمْ يَقِفْ إِبْدَاعُهُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ، بَلْ أَقَامَ نِظَامَ الْبَرِيدِ لِنَقْلِ الأَخْبَارِ وَالأَوَامِرِ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالأَمْصَارِ الْبَعِيدَةِ، فَجَعَلَ لِلدَّوْلَةِ شَرَايِينَ تَنْبِضُ بِالْحَيَاةِ. وَأَنْشَأَ نِظَامَ الْعَسَسِ، وَهُوَ دَوْرِيَّاتُ اللَّيْلِ لِحِفْظِ الأَمْنِ وَتَفَقُّدِ أَحْوَالِ الرَّعِيَّةِ، وَكَانَ هُوَ نَفْسُهُ أَوَّلَ عَسَّاسٍ فِي الإِسْلَامِ، يَطُوفُ بِاللَّيْلِ يَسْمَعُ أَنِينَ مَرِيضٍ أَوْ شَكْوَى مَظْلُومٍ. فَبِهَذِهِ الأَعْمَالِ الْجَلِيلَةِ، وَغَيْرِهَا مِمَّا يَضِيقُ الْمَقَامُ عَنْ حَصْرِهِ، تَحَوَّلَتِ الدَّوْلَةُ الإِسْلَامِيَّةُ النَّاشِئَةُ مِنْ فِكْرَةٍ تَسْكُنُ الْقُلُوبَ إِلَى وَاقِعٍ رَاسِخٍ، وَمِنْ فُتُوحَاتٍ مُتَنَاثِرَةٍ إِلَى إِمْبِرَاطُورِيَّةٍ عَظِيمَةٍ لَهَا نُظُمُهَا وَقَوَانِينُهَا وَدَوَاوِينُهَا، كُلُّ ذَلِكَ بِفَضْلِ اللهِ أَوَّلاً، ثُمَّ بِهِمَّةِ وَعَبْقَرِيَّةِ رَجُلٍ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "إِنَّ اللهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ".
ضَرَبَ أَرْوَعَ الأَمْثِلَةِ فِي الْعَدْلِ وَالزُّهْدِ، فَكَانَ يَطُوفُ بِاللَّيْلِ يَتَفَقَّدُ أَحْوَالَ الرَّعِيَّةِ، وَيَحْمِلُ الدَّقِيقَ عَلَى ظَهْرِهِ لِلأَرَامِلِ. وَقَوْلَتُهُ مَشْهُورَةٌ: "لَوْ أَنَّ بَغْلَةً عَثَرَتْ بِشَطِّ الْفُرَاتِ لَخَشِيتُ أَنْ يَسْأَلَنِي اللهُ عَنْهَا لِمَ لَمْ أُسَوِّ لَهَا الطَّرِيقَ".
وَلَمَّا أَرْسَى لِلدَّوْلَةِ أَرْكَانَهَا، وَشَيَّدَ لِلْخِلَافَةِ بُنْيَانَهَا، وَأَقَامَ الدَّوَاوِينَ لِضَبْطِ الْجُنْدِ وَالْخَرَاجِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الصَّرْحُ الْمَنِيعُ إِلَّا قَالَبًا لِرُوحٍ أَعْظَمَ، وَوِعَاءً لِسِرٍّ أَكْبَرَ، أَلَا وَهُوَ عَدْلُ عُمَرَ الَّذِي سَارَتْ بِهِ الرُّكْبَانُ، وَضُرِبَتْ بِهِ الأَمْثَالُ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ. لَقَدْ كَانَتْ إِمَارَتُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ قَبَسًا مُتَلَأْلِئًا مِنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ، فَلَمَّا أَفْضَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ، أَقَامَ مِيزَانَ الْحَقِّ بَيْنَ النَّاسِ، فَلَا الْقَوِيُّ يَطْمَعُ فِي حَيْفِهِ، وَلَا الضَّعِيفُ يَيْأَسُ مِنْ عَدْلِهِ.
كَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَرَى الْحُكْمَ أَمَانَةً تُنُوءُ بِحَمْلِهَا الْجِبَالُ الرَّاسِيَاتُ، لَا سُؤْدَدًا وَمَغْنَمًا. فَمَا إِنْ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ وَأَرْخَى سُدُولَهُ، حَتَّى كَانَ يَخْرُجُ يَعْسُسُ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ وَأَزِقَّتِهَا، يَتَفَقَّدُ أَحْوَالَ الرَّعِيَّةِ بِنَفْسِهِ، وَيَتَحَسَّسُ حَاجَاتِهِمْ بِأُذُنِهِ، لَا يَكِلُ ذَلِكَ إِلَى حَاجِبٍ أَوْ وَزِيرٍ. وَفِي لَيْلَةٍ قَرَّةٍ، بَيْنَمَا هُوَ يَطُوفُ إِذْ سَمِعَ أَنِينَ صِبْيَةٍ يَتَضَاغَوْنَ مِنْ مَخْمَصَةٍ، وَأُمُّهُمْ تُعَلِّلُهُمْ بِقِدْرٍ عَلَى النَّارِ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا الْمَاءُ وَالْحَصَى حَتَّى يَنَامُوا. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ، انْفَطَرَ فُؤَادُهُ، وَرَجَعَ مُهَرْوِلًا إِلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَحَمَلَ عَلَى ظَهْرِهِ جِرَابًا فِيهِ دَقِيقٌ وَشَحْمٌ، فَقَالَ لَهُ مَوْلَاهُ أَسْلَمُ: "أَنَا أَحْمِلُهُ عَنْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ". فَزَجَرَهُ قَائِلًا: "أَأَنْتَ تَحْمِلُ عَنِّي وِزْرِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟". وَمَضَى حَتَّى أَتَى الْمَرْأَةَ، فَطَبَخَ لَهُمْ بِيَدِهِ، وَمَا زَالَ بِهِمْ حَتَّى أَكَلُوا وَشَبِعُوا وَضَحِكُوا، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَلْبُهُ يَفِيضُ سُرُورًا.
وَقَدْ بَلَغَ مِنْ شُعُورِهِ بِالْمَسْؤُولِيَّةِ مَبْلَغًا لَمْ يَبْلُغْهُ حَاكِمٌ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، حَتَّى صَدَحَتْ حَنْجَرَتُهُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الْخَالِدَةِ الَّتِي صَارَتْ دُسْتُورًا لِكُلِّ رَاعٍ: "وَاللهِ لَوْ أَنَّ بَغْلَةً عَثَرَتْ بِشَطِّ الْفُرَاتِ، لَخَشِيتُ أَنْ يَسْأَلَنِيَ اللهُ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: لِمَ لَمْ تُسَوِّ لَهَا الطَّرِيقَ يَا عُمَرُ؟"
وَبِهَذَا الْعَدْلِ الَّذِي أَشْرَقَ وَهْجُهُ فِي أَرْجَاءِ الْمَعْمُورَةِ، أَلْقَى اللهُ هَيْبَتَهُ فِي قُلُوبِ الأَعَاجِمِ وَالْعَرَبِ. فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ قَيْصَرَ وَجَدَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، الَّذِي دَوَّخَ الأَكَاسِرَةَ وَالْقَيَاصِرَةَ، نَائِمًا فِي فَيْءِ نَخْلَةٍ، مُتَوَسِّدًا بُرْدَتَهُ، لَا حَرَسَ يَحُفُّونَهُ وَلَا حُجَّابَ يَقِفُونَ بِبَابِهِ. فَعَظُمَ الْفَارُوقُ فِي عَيْنِهِ وَقَالَ قَوْلَتَهُ الْمَأْثُورَةَ: "حَكَمْتَ، فَعَدَلْتَ، فَأَمِنْتَ، فَنِمْتَ يَا عُمَرُ". فَقَدْ أَرْسَى دَعَائِمَ دَوْلَةٍ لَا تَسُوسُ النَّاسَ بِالسَّوْطِ وَالسَّنَانِ، بَلْ بِالْحَقِّ الَّذِي يَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ الْوِجْدَانُ، وَالْعَدْلِ الَّذِي تَتَفَيَّأُ ظِلَالَهُ الأَرْوَاحُ وَالأَبْدَانُ.
بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ مِنَ الْفُتُوحَاتِ الْعِظَامِ وَالْعَدْلِ الَّذِي مَلأَ الأَرْضَ، وَبَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ صَلاةَ الْفَجْرِ، طَعَنَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ الْمَجُوسِيُّ بِخِنْجَرٍ مَسْمُومٍ، فَخَتَمَ حَيَاتَهُ الْحَافِلَةَ بِالشَّهَادَةِ، وَدُفِنَ إِلَى جِوَارِ صَاحِبَيْهِ، رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
وَلَمَّا بَلَغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، وَأَرَادَ اللهُ أَنْ يَخْتِمَ لِفَارُوقِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِأَشْرَفِ الْخَوَاتِيمِ، بَعْدَ أَنْ أَقَامَ صَرْحَ الْعَدْلِ حَتَّى ضُرِبَ بِهِ الْمَثَلُ، وَفَتَحَ الْأَمْصَارَ حَتَّى بَلَغَ سُلْطَانُ الْإِسْلَامِ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، أَزْمَعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ- أَنْ يَحُجَّ بِالنَّاسِ فِي عَامِهِ الْأَخِيرِ، وَهُوَ عَامُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ. وَقَدْ كَانَ يَدْعُو رَبَّهُ فِي سَجَدَاتِهِ وَخَلَوَاتِهِ قَائِلًا: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَمَوْتَةً فِي بَلَدِ رَسُولِكَ ﷺ». فَاسْتَجَابَ الْعَزِيزُ الْقَدِيرُ دَعْوَتَهُ، وَجَمَعَ لَهُ بَيْنَ الْأُمْنِيَتَيْنِ الْعَظِيمَتَيْنِ.
فَلَمَّا أَنْ قَفَلَ مِنْ حَجَّتِهِ، وَدَخَلَ مَدِينَةَ النَّبِيِّ ﷺ، كَانَ قَدْ تَرَبَّصَ بِهِ عِلْجٌ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ، يُدْعَى فَيْرُوزَ، وَيُكَنَّى أَبَا لُؤْلُؤَةَ الْمَجُوسِيَّ، وَكَانَ غُلَامًا لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-. وَقَدْ أَضْمَرَ هَذَا الشَّقِيُّ الْغَدْرَ فِي نَفْسِهِ، وَحَمَلَ حِقْدَ أُمَّتِهِ الَّتِي تَحَطَّمَ عَرْشُهَا تَحْتَ أَقْدَامِ جُنُودِ الْإِسْلَامِ بِأَمْرِ عُمَرَ. فَصَنَعَ خِنْجَرًا لَهُ رَأْسَانِ، وَسَقَاهُ السُّمَّ النَّقِيعَ، وَكَمَنَ فِي غَيَاهِبِ الظُّلْمَةِ يَنْتَظِرُ الْفُرْصَةَ.
وَبَيْنَمَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَائِمٌ فِي مِحْرَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فِي صَبِيحَةِ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ لِأَرْبَعِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَقَدْ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ وَشَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ، إِذْ بَغَتَهُ ذَلِكَ الْكَافِرُ اللَّئِيمُ، فَطَعَنَهُ طَعَنَاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ، إِحْدَاهُنَّ تَحْتَ سُرَّتِهِ، كَانَتْ هِيَ حَتْفَهُ. ثُمَّ وَلَّى الْعِلْجُ هَارِبًا لَا يَمُرُّ عَلَى أَحَدٍ يَمِينًا وَشِمَالًا إِلَّا طَعَنَهُ، حَتَّى طَعَنَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، مَاتَ مِنْهُمْ سَبْعَةٌ. فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ذَلِكَ، أَلْقَى عَلَيْهِ بُرْنُسًا، فَلَمَّا أَيْقَنَ الْمَجُوسِيُّ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ لَا مَحَالَةَ، نَحَرَ نَفْسَهُ بِخِنْجَرِهِ، فَهَوَى إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ.
وَأَمَّا عُمَرُ، فَقَدْ سَقَطَ وَالدَّمُ يَنْزِفُ مِنْهُ، وَهُوَ يَتْلُو قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا}. ثُمَّ تَنَاوَلَ يَدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَدَّمَهُ لِيُتِمَّ الصَّلَاةَ بِالنَّاسِ، فَصَلَّى بِهِمْ صَلَاةً خَفِيفَةً. فَلَمَّا انْقَضَتِ الصَّلَاةُ، حُمِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى بَيْتِهِ وَالنَّاسُ حَوْلَهُ يَمُوجُونَ، وَكَأَنَّهُمْ لَمْ تُصِبْهُمْ مُصِيبَةٌ قَبْلَهَا قَطُّ. فَكَانَ أَوَّلُ مَا سَأَلَ عَنْهُ حِينَ أَفَاقَ: «أَصَلَّى النَّاسُ؟». فَلَمَّا قِيلَ لَهُ: نَعَمْ، قَالَ: «لَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ». ثُمَّ سَأَلَ: «مَنِ الَّذِي قَتَلَنِي؟». قَالُوا: أَبُو لُؤْلُؤَةَ الْمَجُوسِيُّ. فَاسْتَنَارَ وَجْهُهُ وَقَالَ كَلِمَتَهُ الْخَالِدَةَ:«الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ مَنِيَّتِي عَلَى يَدِ رَجُلٍ سَجَدَ لِلهِ سَجْدَةً وَاحِدَةً، يُحَاجُّنِي بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
وَلَمَّا عَلِمَ أَنَّ جُرْحَهُ لَا بَرْءَ مِنْهُ، جَعَلَ أَمْرَ الْخِلَافَةِ شُورَى فِي سِتَّةٍ مِنَ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ، وَهُمْ: عُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ-. ثُمَّ أَرْسَلَ ابْنَهُ عَبْدَ اللهِ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- يَسْتَأْذِنُهَا أَنْ يُدْفَنَ إِلَى جِوَارِ صَاحِبَيْهِ، رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. فَقَالَتْ وَهِيَ تَبْكِي: «كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي، وَلَأُوثِرَنَّهُ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي». فَلَمَّا جَاءَهُ الْبَشِيرُ بِإِذْنِهَا، تَهَلَّلَ وَجْهُهُ وَقَالَ: «مَا كَانَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ الْمَضْجَعِ».
وَهَكَذَا، بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَاضَتْ رُوحُهُ الطَّاهِرَةُ إِلَى بَارِئِهَا، صَبِيحَةَ يَوْمِ الْأَحَدِ، أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ مُحَرَّمٍ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ. فَأَفَلَ نَجْمُ الْفَارُوقِ الَّذِي أَطَلَّ عَلَى الدُّنْيَا فَأَعَزَّ اللهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَغَابَ قَمَرُ الْعَدْلِ الَّذِي أَضَاءَ لِلْأُمَّةِ دُرُوبَ الْحَقِّ. وَثُلِمَتْ فِي الْإِسْلَامِ ثُلْمَةٌ لَا تُسَدُّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَدُفِنَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- حَيْثُ تَمَنَّى، فِي حُجْرَةِ النُّبُوَّةِ، لِيَجْتَمِعَ الثَّلَاثَةُ فِي الْحَيَاةِ وَفِي الْمَمَاتِ، وَيَكُونَ شَاهِدًا عَلَى أَنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا، أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ. فَرَحْمَةُ اللهِ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَدْ عَاشَ حَمِيدًا، وَمَاتَ شَهِيدًا، وَلَقِيَ رَبَّهُ مَرْضِيًّا.
إِنَّ مَنَاقِبَ الْفَارُوقِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ- لَتَعْيَا بِهَا أَلْسُنُ الْبُلَغَاءِ وَتَقِفُ دُونَهَا أَقْلَامُ الْكُتَّابِ. وَإِنْ لَمْ يَنْزِلْ فِي شَخْصِهِ قُرْآنٌ يُتْلَى بِاسْمِهِ، فَقَدْ حَازَ شَرَفًا أَبْلَجَ وَسُؤْدَدًا أَوْضَحَ؛ إِذْ كَانَ مِنْ أَجِلَّةِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أَثْنَى عَلَيْهِمُ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى بِقَوْلِهِ: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100]. وَأَعْظِمْ بِهَا مِنْ مَنْقَبَةٍ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مِمَّنْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ! وَفَوْقَ ذَلِكَ، فَقَدْ كَرَّمَهُ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا بِمُوَافَقَاتٍ غُرٍّ، نَزَلَ الْوَحْيُ الْأَمِينُ مُصَدِّقًا لِرَأْيِهِ الْحَصِيفِ فِي مَوَاطِنَ شَتَّى؛ مِنْهَا قَوْلُهُ فِي أَسْرَى بَدْرٍ، وَمِنْهَا مَسْأَلَةُ حِجَابِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَشْهَرُهَا إِشَارَتُهُ بِاتِّخَاذِ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125]. فَكَانَ -وَحَقًّا كَانَ- مُحَدَّثًا مُلْهَمًا، يَنْطِقُ الْحَقُّ عَلَى لِسَانِهِ وَيَجْرِي الصَّوَابُ فِي جَنَانِهِ.
وَلَمَّا كَانَتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ هِيَ الشَّارِحَةُ لِلْكِتَابِ وَالْمُبَيِّنَةُ لِفَضْلِ أَهْلِهِ، فَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ الصِّحَاحُ فِي شَأْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ، حَتَّى لَيُخَيَّلُ لِلسَّامِعِ أَنَّهَا بَحْرٌ زَخَّارٌ لَا سَاحِلَ لَهُ. فَهَا هُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ﷺ يَقُولُ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ: «لَقَدْ كَانَ فِيمَا قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَإِنَّهُ عُمَرُ». وَأَيُّ مَزِيَّةٍ أَرْفَعُ مِنْ هَذِهِ الشَّهَادَةِ النَّبَوِيَّةِ؟ بَلْ إِنَّ هَيْبَتَهُ قَدْ جَاوَزَتْ عَالَمَ الْإِنْسِ إِلَى مَا وَرَاءَهُ، فَقَدْ قَالَ لَهُ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: «إِيهًا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ، إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ». وَرَأَى النَّبِيُّ ﷺ فِي مَنَامِهِ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ فَعَلِمَ أَنَّهُ لِعُمَرَ، وَرَأَى أَنَّهُ شَرِبَ لَبَنًا حَتَّى خَرَجَ الرِّيُّ مِنْ أَظْفَارِهِ ثُمَّ أَعْطَى فَضْلَهُ عُمَرَ، فَأُوِّلَ ذَلِكَ بِالْعِلْمِ. فَتِلْكَ أَنْوَارٌ نَبَوِيَّةٌ أَشْرَقَتْ عَلَى سِيرَةِ الْفَارُوقِ، فَجَلَّتْهَا وَأَعْلَتْهَا مَقَامًا عَلِيًّا.
وَأَمَّا شَمَائِلُهُ الَّتِي سَطَّرَتْهَا كُتُبُ الْآثَارِ، فَهِيَ الدُّرَرُ الْمَنْثُورَةُ فِي تِيجَانِ الْأَخْبَارِ. لَقَدْ كَانَ إِسْلَامُهُ فَتْحًا، وَهِجْرَتُهُ نَصْرًا، وَإِمَارَتُهُ رَحْمَةً، كَمَا شَهِدَ بِذَلِكَ حَبْرُ الْأُمَّةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- الَّذِي قَالَ أَيْضًا: «مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ». كَانَ رَجُلًا طُوَالًا، بَائِنَ الطُّولِ، جَهْوَرِيَّ الصَّوْتِ، إِذَا مَشَى أَسْرَعَ، وَإِذَا تَكَلَّمَ أَسْمَعَ، وَإِذَا ضَرَبَ أَوْجَعَ. بَيْدَ أَنَّ تِلْكَ الشِّدَّةَ كَانَتْ فِي ذَاتِ اللَّهِ وَلِلْحَقِّ، فَإِذَا هِيَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لِينٌ وَرِقَّةٌ وَخَشْيَةٌ وَدَمْعَةٌ. هُوَ الْقَائِلُ قَوْلَتَهُ الشَّهِيرَةَ الَّتِي صَارَتْ دُسْتُورًا لِلْحُكَّامِ: «لَوْ عَثَرَتْ بَغْلَةٌ فِي الْعِرَاقِ لَخِفْتُ أَنْ يَسْأَلَنِي اللَّهُ عَنْهَا: لِمَ لَمْ تُسَوِّ لَهَا الطَّرِيقَ؟». فَجَمَعَ -رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ- بَيْنَ هَيْبَةِ الْأُسُودِ فِي سَاحَاتِ الْوَغَى، وَرِقَّةِ الْأُمِّ عَلَى رَعِيَّتِهَا، فَاسْتَحَقَّ أَنْ يَكُونَ ثَانِيَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَمِصْبَاحًا مِنْ مَصَابِيحِ الْهُدَى لِلسَّالِكِينَ.
مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ.
رواه عبد الله بن مسعود
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ". قَالَ: وَكَانَ أَحَبَّهُمَا إِلَيْهِ عُمَرُ.
رواه عبد الله بن عمر
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ: بِأَبِي جَهْلٍ، أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ، بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
اختبر معلوماتك حول هذه الشخصية العظيمة